أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
433
أنساب الأشراف
إلا أصبح منها في قوادم خوف . غرارة غرورها فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى . من أقل منهما استكثر مما يؤمّنه ، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينه ، كم من واثق بها قد فجعته ، وذي طمأنينة قد صرعته ، وذي احتيال قد خدعته ، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا ، وذي نخوة قد ردته ذليلا ، ومن ذي تاج قد أكبته لليدين والفم . سلطانها ذلّ وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ومنيعها بعرض اهتضام ، ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب ، وسليمها منكوب وجارها مخروب ، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [ 1 ] ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأوضح منكم آثارا وأعد عديدا وأكثف جنودا ، وأشد عنودا ، تعبدوا للدنيا أيّ تعبد ، وآثروها أي إيثار ، فظعنوا عنها بالكره والصغار ، فهل يعلم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما أهلكتهم بخطب ، بل قد أرهقتهم وضعضعتهم بالنوائب ، وقد رأيتم شكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند ، هل زودتهم إلا الشغب أو احلتهم إلا الضنك أو توردت بهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة ؟ . فهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون أم إليها تطمئنون ؟
--> [ 1 ] سورة النجم - الآية : 31 .